منتدى حد الغربية
اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت

 


منتدى حد الغربية

اهلا ومرحبا بك يا زائر في منتديات حد الغربية
 
البوابةالرئيسيةبحـثالتسجيلالدخولدخول

شاطر | 
 

 الأسس الميتافيزيقية في النظام الفلسفي للوجود

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة

HATHAT
صديق للمنتدى
صديق للمنتدى
ذكر

عدد المساهماات عدد المساهماات :
562

العمر العمر :
36

النقاط النقاط :
1353

التّقييم التّقييم :
5

الإنتساب الإنتساب :
07/01/2010

. :

 

 


مُساهمةموضوع: الأسس الميتافيزيقية في النظام الفلسفي للوجود    الأحد 18 سبتمبر 2011, 18:11

الميتافيزيقا، هي علم «ما بعد الطبيعة» مما هو فوق الحس، أو «ما وراء الطبيعة» مما هو في مقابل الحس. بهذين المعنيين تم تداول المصطلح في الفلسفات القديمة والتي تعلي من شأن العقلي على الحسي. أما في الفلسفات المتأخرة والتي تعلي من شأن الحسي على العقلي، تغدو الميتافيزيقا وصمة عار؛ كونها تسهم في ضمور «الحقيقة العلمية» على حساب الحقيقة التأملية التي لا تقبل التحقق العلمي. بهذه الخلاصة المختزلة، والتمهيدية، يتضح مفهومنا عن الميتافيزيقا هنا؛ فإن كل معطى ينتمي إلى الذات والعقل والروح والغيب.. وليس إلى الحس التجريبي، هو معطى ميتافيزيقي. وقبل الحديث عن الوضع الميتافيزيقي للوجود كما تجلى في البحث الفلسفي الاسلامي، يحسن بنا التعرض للملامح الميتافيزيقية التي تظهر بوضوح على مستوى الأصول المتسالم عليها، والغايات الفلسفية القصوى، وعلى مستوى موضوع الفلسفة نفسه، ذلك الموضوع القائم على تقدير الذات وتوكيدها.
1. الأصول الموضوعة: لا بد من وجود نقطة بدء يتم البناء عليها؛ فإنّ الانطلاق من مرحلة الصفر يقود إلى الخواء؛ والنتيجة حينئذ لن تزيد على مقدماتها. لذلك لا بد أن ينهض البناء الفلسفي على أساس ما. ومن أهم خصائص نقطة البدء هذه أنها تبدو كما لو أنها فوق النقاش، إذ أن العامل الذي لا يقع تحت المساءلة من شأنه أن يوفر لنا عنصر الثبات. هذا هو الملمح الأساس للميتافيزيقيا، وهذه هي نقطة ضعفها بالذات. والميتافيزقا بهذا المعنى غير موجودة إلا في عقولنا، بشرط ان تقرأ هذه الجملة بطريقة ايجابية؛ بمعنى أن الواقعية التي تظهر في أفق الوعي على شكل خصائص وصفات عارضة، يمكن أن تدرس فقط على ضوء مرجعيتها التي لا تقع تحت النقاش. من هنا، تظهر الميتافيزيقا على أنّها هي النظام الأصلي الذي تعمل على أساسه عقولنا، وتتشكّل منه البنية الخلفية والأصول والمسلمات الضامرة التي تنهض عليها كل البنى الثانوية في نظام الوعي، وهي إلى ذلك ضامرة في الوعي بسبب من الثقة وسكون النفس لها، الأمر الذي يتيح لها أن تتحكم في مسار تفكيرنا وفي اقتراحاتنا واستنتاجاتنا عن الواقع دون أن تقع بنفسها تحت عبء المساءلة والنقاش. وهذا يعني أن البناء الفلسفي يتشكّل في جوهره من بناء شبه رياضي قائم على المسلمات التي تجد قبولا لدى الذات، ويبدو أن الميتافيزيقا بهذا المعنى ذات طابع غالبي في التداول الفلسفي، كما يبدو أنه ينبغي أن تكون كذلك في هذا الإطار؛ بل تقضي الضرورة المنطقية وجود مرجعية ولو على نحو الأصول الموضوعة المسلمة في إجراءات البحوث التجريبية ذاتها؛ فإنّ البحث العلمي لا يتقدم خطوة إلا على أساس فروض مسبقة معينة تسهم في تعليل الظاهرة والتنبؤ بمستقبلها. إن العلم التجريبي لا يملك إلا أن يمضي في طريقه دون أن يعي ذاته، أو أن يرتكز على منطق ما في نطاق الوعي.
2. الغايات المضمرة: تتميّز الميتافيزيقا نفسها بالخفاء، ولا تفصح عن ذاتها بالألفاظ والأقوال، وإنما تظهر كما لو أنها أشبه ما تكون بفلتات لسان، لذلك علينا أن نحدس الماورائيات التي تصبو إليها الفلسفات في مغازيها، كما نتعقبها في أصولها التي تصدر عنها. ولا تقدم الفلسفة نفسها كما لو أنها وصفة جاهزة، بل إن عمل الباحث الدؤوب يكمن في فلسفة النص، وتقديم فهم أعمق وأشمل له، وليس تأريخ الفكر، أو التشكيك في اسناد الآراء. وقد عبّر ابن سينا عن الغايات القصوى من مشروعه الفلسفي في كتابه الاشارات والتنبيهات حيث تحدث عن الغيب الذي لا يمكن بلوغه الا بضرب من الشهود، كما عبر عنه ملا صدرا في أكثر من موضع من كلامه وهو يبث حنينه للصيغة العرفانية التي ترى الوجود حصرا في الوجود المطلق من كل تعين. ولا ينحصر نشاط الفيلسوف في إطار توضيح رؤية عن الواقع، بل إن الفلسفة بالإضافة إلى طابعها النظري تتضمن أحكاما عملية، والفيلسوف يبدو أكثر حماسا عند إضفاء الطابع الايديولوجي على الواقع، وإسباغ أحكامه على صورة الوجوب والمنع، ولا يستطيع الفيلسوف أن يكون وفيا لآرائه دون أن تكون له تلك الخلفية «الينبغية»، وهو يسعى إلى التفسير من منطلق إيمانه بالتغيير، فالغاية هي العمل بعد العلم، ولهذا يفترض الفيلسوف مسبقا ابتناء تلك الينبغيات على الواقع، ونادرا ما يلتفت الى هيمنة تلك الينبغيات، سيما تلك التي تحظى برصيد يجعلها في الموقع الضابط، كما في مورد التصورات التي يزودنا بها الوحي. إن مضموراتنا تظهر بشكل هامس في آرائنا المعلنة، وغالبا ما نقبل الشيء الذي يتلاءم مع ما نريد، الا ان الجانب الذي ينبغي أن يكون هو المحك للدراسة الميتافيزيقية هو جانب الربط بين النظرية والتطبيق، وهو المحك الاساس لكل تنظير، فالوجود لا يملك أحكاما، ولا يمارس سلطة وتقييماً، هو قابل فقط لأن ينكشف، وأن يعلن عن ذاته بطرق متعددة ومتفاوتة، هذا الإعلان يستدعي أحكاما متطابقة معه، وهذه الأحكام تظهر غالبا بشكل إعلانات في السياق الديني. من هنا تغدو الفلسفة مشروعا دينيا بحسب الغايات المنظورة لها، وكل فلسفة لا تخطط لذلك سوف تصطدم بالواقع وتفقد مبرراتها. والاعلان الأساس في الميتافيزيقا هو أن الوجود لا يتجلى في إطار المادة فحسب، بل تظهر صورته الحقيقية فقط حين يتجاوز الإطار المادي إلى الإطار الضمني والمستبطن.
3. موضوعات البحث: وفق التأسيس المنطقي، تنصرف العلوم والفنون الى تحديد موضوعات بحثها في إطار خاص، وتنشأ خصوصية هذا الاطار من ايمان ذوي تلك الاختصاصات بأن موضوعاتهم تعبر عن واقع جدير بالاهتمام ويستحق الدراسة. وسواء أكانت تلك الموضوعات تحظى بواقعية ما في نفسها ام لا، فلا شك في انها تتسم بالواقعية في ايمان اتباعها ووعيهم، وتعبر عن الوجه الآخر الذي يشكل المرجعية على مستوى النموذج والمثال والذي يظل دائما خارج نطاق المساءلة وفوق النقاش لديهم. وحينما يتخذ الطبيب من الجسم الحيواني موضوعا لدراسته، فإنّه ينصرف الى البحث في أحوال الجسم وخصائصه وعوارضه، وما ذلك إلاّ لإقراره بالجسم الحيواني بوصفه حقيقة لا تقبل النقاش. وحينما يبحث الفيلسوف في أحكام الماهيات وخصائصها من الجوهرية والعرضية.. فإنه يدرك في أعماق وعيه بما لا يقبل النقاش أن الوجود هو الموضوع الواقعي والنموذج الحقيقي وراء تلك الماهيات، ويتركز الجهد الميتافيزيقي حينئذ على استخراج الوجود وأحكامه من تحت ستار الماهيات. وحينما يبحث العارف في أحكام الوجود وخصائصه من المراتب والتنزلات والتعيّنات، فإنّه يدرك في أعماق وعيه بما لا يقبل النقاش أن الوجود الحقيقي والنموذجي هو الوجود المطلق عن جميع التعينات، ويتركّز الجهد الميتافيزيقي على تحديد طبيعة هذا الوجود من الوحدة والوجوب. أما الموضوعات نفسها فتبقى خارج دائرة المناقشة والسؤال بوصفها استبطانات ارتكازية قائمة في وعي الباحث. ان العلم يدرس الوجود كظاهرة، تتجلى في شكل محدد أو موضوع يخضع للفحص، والفلسفة تبحث في الوجود بعد تنحية الظواهر عن وجهه، وهو بهذا الاعتبار لا يقع موضوعا للبحث، وإنما حضورا في الذات. وفي حين تعلن الفلسفة عن مهمتها الحاضنة لموضوعات جميع العلوم، تمارس تلك العلوم عقوقا قاطعا ورفضا مطلقا من خلال انكار الموضوع الكلي للفلسفة.
4. أولوية الذات العارفة: إن الاستناد إلى العنصر الذاتي في مقاربة الواقع هو علامة ميتافيزيقية فارقة، فالنفس عنصر فاعل وخلاق وضابط للواقع، وليست مجرد متلقٍ عن الخارج ومرآة تنعكس على صفحتها الصور المتغيرة والزائلة. من هنا، تكمن المعرفة في اندفاع الذات نحو الواقع، وليس في كون الواقع متمثلا لدى الذات، ذلك أنّ تلكؤ الذات عن القيام بدورها إزاء تحولات الواقع النوعية يقود غالبا إلى انتكاسات معرفية تظهر بصورة السفسطة، وتضغط على الذات باتجاه تحديد مقولاتها وضبط منطقها مما يؤدي إلى انتعاش الفلسفة. إن المقولات تقوم على أساس عمومية المبادئ، كما أن المنطق يقوم على صورة الفكر وليس على مادة الواقع، والنسق المنطقي يحظى برضا النفس وركونها إليه. إذن، يقوم البناء الفلسفي على النسق المنطقي المرتكز إلى الذات، والذاتية، والتطابق الذاتي، وهذا ما يشكّل مدخلا لقضية التحقق الواقعي والتطابق مع أشياء هذا العالم. ويتجلى ذلك بوضوح في المبادئ التصديقية للفلسفة المتعالية والتي تنهض على أساسها المباحث الوجودية، فقد غلب الطابع الإستدلالي على تلك المبادئ رغم التأكيد على بداهة مطالبها المبحوثة، وأن تلك الأدلة إنما هي تنبيهات إلى ما هو المرتكز في النفس بحسب الوجدان والفطرة. إن الوجدان والفطرة كناية عن الرضا النفسي والقبول الداخلي، أي أنهما تعويل وإحالة مباشرة على الذات لا الواقع، على النسق الداخلي لا التطابق الخارجي، من هنا تقوم الضرورة الفلسفية على تكثيف الرؤية الذاتية والإيغال في النمطية الميتافيزيقية من خلال الدعوة إلى تجاوز الذات الماثلة إلى الذات المستجدة، وقد دعا الفلاسفة إلى استحداث فطرة أخرى، وتطويع النفس لها، وفاقا مع ما ينسب إلى أرسطو من أنه قال: «من أراد أن يشرع في علمنا هذا فليستجد فطرة أخرى» . وتتأكد الذاتية بوضوح في مجال المعارف الكشفية والحدسية، فالوجود هنا مجال لاختبار الذات وليس موضوعا للمعرفة. ومن جهة أخرى فقد خاض منظرو الفلسفة العلمية في جدوى شرط «الموضوعية» الذي يقوم على تنحية الذات وتدخلاتها، قبل أن يخلصوا إلى عدم إمكانية توفّر مثل هذا الشرط من الأساس. إن قدر العلم هو في أن يظل راهنا إلى الخدمات التي تقدمها الفلسفة، وقدر الفلسفة هو في أن تظل راهنة إلى الأسس الذاتية، ما يدفعنا للقول بأن الحديث عن نهاية الميتافيزيقا لا يمكن إلا أن يكون حديثا نسبيا؛ ذلك أنّ الميتافيزيقا باقية ومستمرة ودائمة طالما انها مقبولة ومنطقية ومرضية في أفق الذات.
[الوضع الميتافيزيقي لمفهوم الوجود]
إنّ أي حديث عن الوجود (بما هو وجود) يفترض في ذاته أن يكون الوجود متعاليا، وفي الوقت الذي يتنازل فيه الوجود عن تعاليه يفتقد هويته الفلسفية؛ لهذا فإنّ الوجود هو بصمة الميتافيزيقيا في عقولنا، وهو ضرورة حاكمة في النشاط الفلسفي على الدوام.
وقد جاء التعبير عن تعالي الوجود في جميع مفاصل البحث الفلسفي جليا وواضحا، ومنذ أوائل المطالب المبحوثة نجده يتصاحب مع الإقرار بتأبّي الوجود عن الخضوع للمبادئ التصورية؛ كونه يحظى بالسمة الجوهرية؛ أي البساطة والبداهة، وهو ما يفرض أن يكون مجانبا لخصائص الماهية.
مفهوم الوجود غني عن التعريف، وصورة الوجود تقوم في النفس بلا توسّط شيء، فهو مبدأ أوّل لكل شرح، كما يقول الشيخ الرئيس في كتابه النجاة. وأمّا ما يُذكر له من معرّفات فهي مجرّد مقاربات وبدائل لفظية، لا تلامس ضفاف المفهوم، فضلا عن أن تفيه حقّه.
والسر في تعاليه عن التعريف هو أنّه لا يتجانس مع ما يمكن أن ينضبط في عقولنا بصورة ماهيات:
1) مفهوم الوجود بسيط؛ لا يتركب من جنس وفصل، فلا ماهية له.
2) إن الخصائص الذاتية للوجود متغايرة مع الخصائص الذاتية للماهية، فلا ينضبط بها.
3) لا أظهر من الوجود، فلا يظهر بغيره.
إذن، لا يمكن للماهية أن تعبّر عن الوجود، أو تمثل الجانب العلمي منه إلاّ بعد أن يتنازل الوجود عن تعاليه، وحينئذ لن يكون وجودا بالمعنى الفلسفي؛ ولأجل ذلك تعجز الماهية عن تمثل الوجود بحسب التصور، وعلينا أن نقر بأننا لا نملك في عقولنا اي صيغة معبّرة عن الوجود سوى ما ينعكس منه في الوعي الإرتكازي. ويبتني هذا على أنّ أي تصور في الذهن لا بد أن يستحضر الواقعيات عبر الماهية، ولا سبيل آخر لذلك سوى ما قد ينحدس في أنفسنا عنه.
ونظرا لابهام الوجود وغيبوبته، كان على الفلسفة أن تعبر عن القلق الذي ينتابه في تمثله الذهني، وقد استحوذ ذلك على مباحث كليات الوجود التي استهل بها الدرس الفلسفي والتي اتخذت حيزا تأسيسيا لمجمل النشاط الفلسفي. كما دفع هذا الابهام باتجاه ظهور بدائل أكثر قابلية للتمثل والجلاء بعد تلقيحها بنوع من التأثير والفعالية، وعلى امتداد فلسفات المشاء الموروثة والمبتكرة فرضت الماهية نفسها كظاهرة معبّرة في الواقع الفلسفي وقابلة للدراسة وفق السياق المنطقي، كما أخذت العدميات الكلامية والعرفانية باحتلال مواقعها في النظام الفلسفي، وتمثل ذلك في مقولات من قبيل مقولة «الثبوت» التي تتجاوز الوجود إلى بعض أقسام العدم، ومقولة «الأعيان الثابتة» التي تسبق الوجود في التعيّن.
كل هذا كان يعبّر عن قلق الوجود كونه لا يمثل ظاهرة، ولا يقع موضوعا للدراسة، ولا يقبل القراءة كنص. وأي محاولة كهذه سوف تفقد من دينامية الوجود وهويته، وهذا ما يفسر لنا تولّد فلسفة الوجود تحديدا من رحم العرفان والشهود، وفي ذلك توكيد لعنصر الذاتية في التصفح العياني لجسد الوجود، فهو في تعاليه وبطونه ذهنا يأبى إلا أن يمتلك كل عناصر الظهور والجلاء الواقعي والعياني، لهذا تضطرب الوجودانية في تصوراتنا المعمقة المشوبة بالعدميات والأساطير الماهوية. وهذا ما استدعى ذلك الانشغال في إزاحة الماهيات، والانهماك في تنحية العدميات عن طريق الوجود، كل ذلك نجده مستوفيا في مباحث كليات الوجود الفلسفي؛ فالوجود لا يحتاج إلى التفسير والفحص، بل لا يمكن إخضاعه للمساءلة، وكل ما يمكن لنا فعله هو تنحية الأغيار عن وجه الوجود، وليس علينا بعد ذلك سوى مراقبته وهو يفصح لنا عن ذاته بذاته.
إذن، تنشأ مشكلة الوجود في الفلسفة المتعالية من جراء مواجهة العدميات الكبرى، وتتركز المشكلة بالوجود ذاته في كيفية تمثله ونحو تعبيره عن نفسه. ففي التراث الكلامي والفلسفي التقليدي، يبدو الوجود من حولنا بصفة الحدوث والامكان، وبهذا الاعتبار صحّ أن يجعل منه موضوعا للدراسة وأن يكون قابلا للقراءة والمساءلة، وبذلك تمحور البحث المشائي في كيفية عروض الوجود على العالم، واشرأبت الأعناق شيئا فشيئا للبحث في المبادئ والعلل وتفسير الوجود، ويبدو أن مشروعا كهذا سوف يُحكم بالاخفاق كونه يفترض أن للوجود وضعا يكون فيه قابلا للتفسير.
وفي اتجاه مغاير تماما، بحث ملا صدرا في الوجود بما هو وجود، ذلك الوجود الذي يساوق الوجوب والوحدة والصرافة. ومن خلاله سعى لأن يصدر أحكامه على الوجود الحادث والممكن. وإذ ليس هناك سوى الوجود، فلا معنى للسؤال عن كيفية عروض الوجود على العالم، وبذلك تغيرت وجهة البحث الفلسفي، وتمركز السؤال حول كيفية ثبوت العالم، وليس عروضه.

[أصالة الوجود]
لا يحجم الذهن عن افتراض «الوجود البديل» الذي ينازع «الوجود الاصيل» على الأصالة، ذلك أنّ كل ظاهرة إنما تتجلّى في الذهن بصورتين: من جانب هي ماهية تستقل في الذهن، كونها تحكي عن الطبيعة في كليّتها، وتقع في الجواب عن سؤال: ما هو؟. ومن جانب آخر هناك وجود بلا أدنى شك.
لقد مضى زمن طويل على تغييب الوجود تحت ستار الماهيات، ويبدو أنه قد حان الأوان للموازنة بينهما، وإخراج الواقعي والحقيقي من تحت شعاع الميتافيزيقا. وقد اعتمد لأجل ذلك السعي التالي:
 الشيء هو شيء واحد، لا أنه شيئان [متباينان].
 الماهية تتحقق بالوجود، لا بغيره.
 الصادر الأول بسيط، غير مركب.
هذه المبررات الداخلية والخارجية تدعو بقوة إلى ضرورة الحفاظ على عنصر الانسجام والتناغم في الكون، من خلال القول بأنّ الواقعية واحدة، وواحدة فقط. والمرتكز في كل هذا هو وجداننا، فما هو قابع في أعماق أنفسنا بنحو جبلي إنما يميل تلقائيا إلى الوحدة والانسجام.
ولأجل ذلك، ينحصر القول في واحد من اتجاهين:
الأول: أن الأصل هو الماهية، وهو المنسوب إلى شيخ الإشراق شهاب الدين السهروردي؛ إذ الوجود لو كان أصيلا لاستلزم وجودا متسلسلا بلا نهاية، وكل ما يلزم من تأصله تكرره كذلك، فليس بأصيل. وقد غفل شيخ الاشراق عن الحقيقة الذاتية للوجود، ولهذا نُعت مذهبه بالعليل، ودليله بالزيف.
الثاني: أن الأصل هو الوجود، وهو المنسوب إلى أهل التحقيق من المشائين، والمذهب المنصور بنظر السبزواري. وفي هذا – كما لا يخفى - إحالة للأصالة على الوجود الذي يتسم بالغياب المنطقي، والخفاء المعرفي، ولا يملك سوى الإدعاء البدهي.
وقد ساق السبزواري أدلة على أصالة الوجود تبتني في صميمها على المنحى الميتافيزيقي:
فالوجود منبع كل شرف، ولا شرف ولا خير في المفهوم الاعتباري!. وفي ذلك تضمين مسبق لا يخفى.
وتقوم سائر الأسس على ضرورة تنحية اللوازم الباطلة الناشئة من القول بأصالة الماهية، من قبيل:
 لزوم عدم الفرق بين الوجودين الخارجي والذهني.
 لزوم التشكيك في الماهية.
 لزوم عدم انتظام الأنواع.
 لزوم التكثر في حدود الموجودات وفي الذات الالهية ذاتا وصفة وفعلا.
 حيادية الماهية في نفسها في معادلة الوجود والعدم .
لقد طرحت أصالة الوجود بمعنى أنّ لمفهوم الوجود مصداقاً وفرداً بالذات. أي أنه هناك أفراداً حقيقية لمفهوم الوجود الانتزاعي. وقد ذهب صدر المتألهين إلى أنّ الفائض عن الحق، والصادر عن المبدأ هو الوجودات الخاصّة، وأكّد أنّ هناك أفرادا حقيقية لمفهوم الوجود الانتزاعي. قال: لمّا كانت حقيقة كل شيء هي خصوصية وجوده التي يثبت له، فالوجود أولى من ذلك الشيء - بل من كل شيء - بأن يكون ذا حقيقة، كما أنّ البياض أولى بكونه أبيض ممّا ليس ببياض ويعرض له البياض. فالوجود بذاته موجود، وسائر الأشياء غير الوجود ليست بذاتها موجودة.
إذن، لا يقتصر تعالي الوجود على مستوى التمثل الذهني، بل يتميّز كذلك بطابع ميتافيزيقي فريد على مستوى حقيقته الوجودية نفسها؛ فإن حقيقة الوجود – بحسب السبزواري - في غاية الخفاء.
والسبزواري إذ يقرّر آراء سابقيه من الذين قالوا بإمكانية تصور الوجود بالبداهة، لا يستبعد الاتجاه الذي يرى استحالة تصور الوجود بالبداهة، بل يسعى إلى استيعابه؛ على أن يراد به استحالة تصور [حقيقة] الوجود لا [مفهومه]؛ فإن مفهوم الوجود وإن كان من أعرف الأشياء وأوضحها، إلاّ أن حقيقته [البسيطة النورية التي حيثية ذاتها حيثية الإباء عن العدم، ومُنشئية الآثار، والتي ذلك المفهوم البديهي عنوانه] في غاية الخفاء . فالمفهوم من الوجود وإن كان بديهيا في التصور إلا أنه لا يقبل الانضباط في سياق المنطق، وأمّا حقيقته وذاته فلا تقع تحت التصور أصلا.
ويقوم منطق الخفاء هذا على تمايز الحقيقة العينية على الحقيقة الذهنية؛ فالحقيقة العينية تتميز بكونها منشأ للأثر، فيما تفتقد الحقيقة الذهنية لذلك الأثر، ولهذا لو حصلت الحقيقة العينية في الذهن يلزم التفكيك بين الشيء ولوازمه؛ فإن لم يترتّب عليها الأثر؛ فلن تكون حاصلة في الذهن بما هي عينية، وإن ترتّب عليها الأثر فليست هي في الذهن كما هو واضح.
إنّ ما يبرر لحصول المعرفة بالشيء هو حفظ ماهيته مع تبدّل وجوده العيني إلى الوجود الذهني، وحيث إن حقيقة الوجود لا ماهية لها، فلا معنى لأن تكون محفوظة بعد التبدّل في الذهن.
ورغم أنّ السبزواري قد قرن بحثه في الوجود بالبداهة، إلاّ أنّه قدّم الوجود من زاوية مغرقة في الخفاء، فهو - كأسلافه – نظّر للوجود من ناحيتيه المفهومية والوجودية، وأقرّ بأنّ مفهومه لا يقبل الرضوخ للمنطق، وأنّ حقيقته في غاية الخفاء. إلاّ أنّ تبرير الخفاء هذا بما تقدّم يقوم على أساس إثبات الوجود الذهني، وقد اتخذه السبزواري هنا على نحو الأصل الموضوعي. كما أنّ تمايز العين عن الذهن إنّما يكون بحسب الأثر، وهذا إنما يقع في إطار المعرفة العقلية تحديدا، وفي إطار تجاوز الفلسفة الماهوية إلى فلسفة الوجود، وتجاوز البحث عن الماهية إلى البحث عن العلاقات ومفاعيلها، فإن الفلسفة الأولى هي الفلسفة الباحثة عن الوجود بوصفه اصطلاحا فلسفيا ثانويا، يتناول الحكم على الموجود، ويحكي عن علاقاته وتأثيراته، وبكلمة واحدة يقع البحث هنا عن مبادئ الوجود وعلله، وهي موضوعات تتجاوز الاطار الماهوي للحقيقة، وتميط اللثام عن أكثر جوانب الحقيقة فعالية في عالم الوجود. ومع ذلك، فإن هذا السياق العقلي يهدف إلى تأكيد حقيقة هي أن الوجود لا يرقى إلى مستوى المعرفة إلاّ في مقام الحضور.
وعليه، يبدو لنا أن الوجود - في الفلسفة الاسلامية - غير قابل للقراءة، فهو لا يتمثل لنا بحقيقته؛ لاستحالة انقلاب العيني إلى الذهني، كما لا يقع تحت التصور المنطقي؛ لاستحالة رسم الوجود بعوارض الماهيات، ويبقى أن الوجود مرتكز في وجداننا، وقابع في تصورنا البدهي البسيط، وقابل للتمثل فقط عن طريق الشهود الحدسي.
إن موجودية الوجود تقوم على مبدأ الهوية. وهو مبدأ سوف يخضع للنقاش على الدوام. فقد تناوله الشيخ السهروردي بالنقد على اساس قاعدته المشهورة: «كل ما يلزم من تحققه تكرره إلى ما لا نهاية فهو اعتباري». وأجيب عليه بأن الوجود موجود بذاته، لا بوجود آخر إضافي، فلا بد من الإيمان بوحدة مبدأ الوجود من حيث الهوية. كما تم تناول مبدأ الهوية في طيات بعض الرؤى الفلسفية المتأخرة والتي شكلت تواصلا ومعاودة للميتافيزيقا ولو باشكال مختلفة (هيجل، نيتشة، هيدجر..). حيث تم إرساء مفهوم الهوية على أساس الاختلاف لا التطابق.
إن وجودية الوجود لن تزيد عن ماهوية الماهية وبياضية البياض، أي أن الأشياء تثبت لذاتها بذاتها بالحمل الاولي الماهوي، والوجود الذي تثبت له الموجودية هنا ليس هو حقيقة الوجود العينية، فان حقيقة الوجود متشخّصة بنفس (ذاتها) لا بمفهومها الانتزاعي. فيصح التساؤل عن انه هل حقيقة الوجود هذه هي مصداق بالذات للوجود الانتزاعي ام لا؟.
ذلك أن الموجودية التي تثبت لنفس هذا الوجود بالحمل الاولي هي الموجودية بمفهومها الانتزاعي لا بوجودها الأفرادي الذي هو منشا الأثر. ومع ذلك، اعتبر مفهوم الوجود الانتزاعي ومنذ البدء (وقبل التعرض لإثبات الأصالة للوجود)، مفهوما بديهيا بمعنى التحقق ومنشأ الأثر(!).
ويبقى أن الحمل الذاتي الماهوي هو حمل ببركة الوجود؛ فإنّ حمل الحد على المحدود - كحمل الحيوان والناطق على الإنسان - لا بد أن يرجع إلى أمر غير ذات الماهية، فظهور نور الوجود، وسريان الوجود الجامع للأجزاء الذهنية للماهية يتم في الذهن. أمّا ظهور وسريان الوجود الجامع للأجزاء الخارجية للماهية فيتم في الخارج. من هنا، فصدق الحد على المحدود في الذاتيات، وصدق المفاهيم العرضية في العرضيات، وصدق الانتزاعيات على الماهيات يدل على أصالة الوجود واعتبارية الماهية بدليل صحة الحمل وضرورته. إذن، الوجود موجود بذاته.
ولئن تبنى ملا صدرا مقولة الأنواع الماهوية كسالفيه، إلا أنه لم يجعل منها حدودا مقفلة ونهائية، بل أسبغ عليها وضعا علائقيا بحيث تقع في طريق بلورة الوجود بشكله الأكمل للموجود وهو يخترق جدار الوجود كادحا إلى ربه. قال: «إن الهوية الجوهرية مما يشتد ويتحرك في جوهريته حركة متصلة على نعت الوحدة الاتصالية، والواحد بالاتصال واحد بالوجود والتشخص. وقول المشائين أن كل :مرتبة وحد من الأشد والأضعف نوع آخر، وإن كان حقا، لكن بشرط أن لا يكون ذلك الحد حدا بالفعل، لكن من الحدود المفروضة في الاشتداد..» . إن الوجود لا يمكن أن يوضع في إطار خاص، فإن كل وجود هو بعينه واجد لإطاره، وموجد له.
وفيما انشغل الفلاسفة في ضبط مقولات هذا العالم وفحص كلياته، في محاولة العثور على ماهياته وحقائقه، الأمر الذي شكل عائقا دون بلوغ أحكام الوجود الراجعة إلى حقيقته. نجد ملا صدرا وقد نظم حبكة العالم العلوي، وأسبغ عليه صيغته الوجودية المثلى، يتفرّغ بعد ذلك لتنظيم عالم الإمكان والذي رأى في ماهياته كما لو أنها دمى عابثة على مسرح الوجود، ولا ينبغي أن تنخدع الحواس بحركة تلك الدمى، والتي لا تقبل التفسير إلاّ على أساس الجوهر الذي يتحكم في مسارها رغم غيابه عن مجال الحس. فقد نظر صدرا إلى المشهد الكلي من أعلى، وفسّر نظام العالم على أساس رجوع معلولاته إلى حاق العلة، وارتكاز أعراضه إلى صميم الجوهر، ذلك الجوهر المندفق بفعل الحركة التكاملية السيالة، والذي لا يترك لنا مجالا لالتقاط الأنفاس بفعل اشتباك الفصول، هو فقط ما يخولنا للكشف عن المشهد الكلي للعالم.. وبكلمة مكثفة، لم يعد هذا العالم متصفا بالوجود، بل صار الوجود متعينا – في بعض وجوهه ومظاهره - بصفة هذا العالم.
إن احكام الوجود تنسب اليه على نحو القضية البسيطة التحليلية، لا المركبة. لهذا لا معنى للوجود الرابط في القضايا الفلسفية، فالوجود بذاته لا يكون الا مطلقا عن كل تقييد وتحديد. والرؤية الكاملة عن الوجود المطلق نجدها لدى العرفاء تحديدا؛ ذلك أن الموجودات المقيّدة منسوبة إلى الوجود المطلق؛ وهي بوصفها مقيدة لا تمتلك صفة الوجود على الحقيقة‌، لأنّها عبارة عن إضافة هي نسبة المطلق إلى المقيّد. وهذه الإضافة وتلك النسبة لا تحقّق لهما في الخارج‌. والوجود المطلق هو نفس الوجود المقيّد، وإن بوجه آخر. والمقيّد هو نفس المطلق مع قيد الإضافة‌. ولا وجود إلاّ للوجود المطلق‌، وذلك أنّه لو أسقطتْ الإضافات والنسب عن جميع الموجودات لم يظهر في دائرة التحقق سوى الوجود علی صرافة وحدته ومحوضة إطلاقه‌، فيتضح أنّ الوجود المقيّد إنّما هو موجود بوجود المطلق ومعدوم بعدمه‌. ولهذا قالوا: التوحيد إسقاط الإضافات.
وكما تطلّب الأمر من الفلاسفة السابقين إنجاز رؤية واضحة حول كيفية ربط الحدوث والإمكان بالوجود المطلق، ملا صدرا أيضا سوف يجد نفسه معنيا بانجاز رؤية عن كيفية ارتباط الوجوب والوحدة بالفروع، فإن الوجود بصورته المتعالية التي طالعنا بها، لن تسمح له بتنظيم رؤيته الكونية إلاّ على أساس من اضمحلاله، وذلك باستناده إلى إضافة إشراقية تختصر واقع العالم بعين الربط، ولا شيء غير ذلك. وهذا الربط هو المحك لأي دراسة ميتافيزيقية تقوم على سؤال محوري: هل بقي صدرا منجذبا لعالمه العلوي المساوق للوجوب والوحدة، ومنذهلا عما سواه، كما بقي سابقوه أسرى عوالمهم الإمكانية!.


إذا أعجبك الموضوع فشارك به أصدقااءك وصديقاتك في الفايسبوك
Share


 

توقيع HATHAT

منتدياات حد الغربية

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
 

الأسس الميتافيزيقية في النظام الفلسفي للوجود

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى حد الغربية  :: ™۝√۩ஹ المنتدى العام ஹ√۩۝™ :: احد الغربية العام-